سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري

353

الأنساب

قد حنّكتك ، والأمور قد أحكمتك ، وأنت الولي ، مهما أمرتنا به لم نخالفك ، ومتى تدعنا نجب ، ومتى تأمرنا نطع رأيك ، فأمرنا بأمرك « 1 » . فقال : أيّها الناس ، أشيروا عليّ برأيكم وأوجزوا . فتكلم عثمان بن عفّان فقال : الرّأي يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل اليمن ، فيسيرون من يمنهم ، وإلى أهل الشام أن يسيروا من شامهم ، وإلى أهل مصر أن يسيروا من مصرهم ، ويجتمع إليك من الجنود من آفاق الأرضين ، وأقطار البلاد ، وسر بنفسك حتى توافي الكوفة ، وينضم إليك أهل المصرين ، ثم تزلف إلى القوم ، فتلقاهم ، وقد اجتمع إليك من العرب كأعدادهم . وإنّ العرب إن رأوك نصب أعينهم كان ذلك أعزّ لهم وأقوى لظهورهم ، وأصدق في جهاد عدوّهم . فإنّه لا بقاء بعد إخواننا بالمصرين . فقال عمر لعليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه : ما ترى أنت يا أبا الحسن ؟ فقال عليّ : إنك إن أشخصت العرب من اليمن سارت الحبشة ، فغلبوا على أرضهم ، وإن أخليت الشام من جنودك سارت إليهم الرّوم ، فغلبوا عليها ، واجتاحوا أهلها وأولادهم ، وإن سرت من هذه البلدة انتقضت عليك الأرض من أقطارها وأطرافها ، حتى يكون ما تخلّف وراءك من النّساء والذّريّة لأهمّ إليك ممّا بين يديك ، وإنّ العجم إذا رأوك عيانا نصب أعينهم قالوا : هذا ملك العرب كلّها ، فرعها وأصلها ، فيكون أشدّ لقتالهم ، وأصعب لمزاولتهم ، فما خوفك من سيرهم إلى إخواننا بالمصرين ، حتى يجتاحوهم ، ويسيروا بجموعهم نحوك ؟ فإنّ اللّه لم يجعل لهم إلى ذلك سبيلا أبدا ، لقوله تعالى وتبارك ، وقوله الحق : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ « 2 » ، وإنّا لم نقاتل الناس فيما مضى بالكثرة ، وإنّما قاتلناهم بنصرة النبوّة ، والرّأي أن تكتب إلى عمالك باليمن والشام أن

--> ( 1 ) في الطبري ( 4 / 124 ) قال طلحة : أما بعد ، يا أمير المؤمنين ، فقد أحكمتك الأمور وعجمتك البلايا واحتنكتك التجارب ، وأنت وشأنك ، وأنت ورأيك ، لا ننبو في يديك ، ولا نكلّ عليك ، إليك هذا الأمر ، فمرنا نطع ، وادعنا نجب ، واحملنا نركب ، ووفّدنا نفد ، وقدنا نقد ، فإنك وليّ هذا الأمر ، وقد بلوت وجرّبت واختبرت ، فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء اللّه إلّا عن خيار . ( 2 ) سورة التوبة ، الآية 33 .